مِنْ انْقلَابِ 2021 إلى حَرْبِ 2023 الاقْتِصَادُ فِي زَمَنِ الانْهِيَارِ

مِنْ انْقلَابِ 2021 إلى حَرْبِ 2023: الاقْتِصَادُ فِي زَمَنِ الانْهِيَارِ

From the 2021 Coup to the 2023 War: The Economy in a Time of Collapse

بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

تستوجب هذه السلسلة من المقالات الاقتصادية الثمانية التَدَبٌّر المُبَكِّر رغم أن الخطاب العام في السودان والمجتمع الدولي ينشغل إلى حدٍّ كبير بالبحث عن وقفٍ لإطلاق النار وسبل إسكات البنادق. غير أن إخماد صوت السلاح، على ضرورته القصوى، لن يكون كافياً لبناء سلامٍ مستدام ما لم يُقترَن بقدرة البلاد على إعادة تأسيس اقتصادٍ مدني فاعل ودولةٍ اجتماعية قادرة على تحقيق العدالة وتوفير سبل العيش والأمل للمواطنين. وفي هذا الأفق الأوسع، تأتي هذه السلسلة من المقالات الاقتصادية لتقدِّم إسهاماً فكرياً مرتباً زمنياً ليأخذ حيّزاً جوهريّاً في الحوار المدني الموازي للتفاوض العسكري الذي ينبغي أن يواكب، بل يوجّه، المسار العسكري والسياسي الجاري حالياً.

وتنطلق هذه السلسلة من المقالات التي تغطي تجربة جميع الحقب السياسية مع برامج التكيف الهيكلي من حقيقة أن خيارات السودان الاقتصادية في المرحلة الانتقالية القادمة لا يجوز أن تُختزَل في شعاراتٍ تبسيطية من نوع ”الاعتماد على الذات“، وهي شعارات تضاعف فقدان موثوقيتها بعد الدمار الشامل الذي ألحقته حرب أبريل 2023 ببنية الدولة والاقتصاد معاً. فـ”الذات“ التي يُزعَم الاعتماد عليها قد استُنزِفت تماماً بفعل الخراب وفقدان رأس المال الإنتاجي والمؤسسي. الأمر الذي يجعل من إعادة الانخراط الاستراتيجي مع المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، خياراً عقلانياً لا تعبيراً عن تبعية، بل عن إرادة بقاء جماعية ورغبة في إعادة البناء.

ومن هذا المُنطلَق، تتجاوز أهمية هذه المقالات الثمانية البُعد الاقتصادي البحت، لتسهم في تأسيس حوار مدني فكري حول إعادة الإعمار والتنمية، يُعيد تعريف علاقة السودان بالمؤسسات الدولية على أساس الشراكة السيادية لا العزلة ولا التبعية. وتتمثل رسالتها الجوهرية في أن طريق التعافي لن يُشقّ عبر ساحات القتال ولا شاشات الفضائيات، بل عبر عقدٍ اجتماعي واقتصادي جديد يزاوج بين الواقعية المالية والعدالة الاجتماعية، ويحوّل التعاون الدولي إلى أداةٍ لبناء الدولة لا إلى وسيلةٍ للوصاية عليها. وعليه فإنه لمن غير اللائق بعد الحرب المدمرة اجترار الجدل القديم الذي لازم المؤتمر الاقتصادي الأول في سبتمبر 2020 وأضاع عاماً كاملاً عطّل التوافق على نهج واقعي لإدارة الاقتصاد السوداني.

مقدمة

دخل السودان بعد ثورة ديسمبر 2018 مرحلة انتقالية معقدة، تمتزج فيها الآمال العريضة بالتغيير مع إرث ثقيل من الاضطرابات الاقتصادية وتراكم الديون وضعف مؤسسات الدولة. وقد مثّل انقلاب 25 أكتوبر 2021 نقطة الانكسار الحاسمة التي أنهت المسار المدني، وأعادت البلاد إلى دائرة الحكم العسكري، وأغلقت الباب أمام الإصلاحات الاقتصادية التي كانت قد بدأت تؤتي ثمارها. ومع اندلاع حرب أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، انتقل السودان من أزمة سياسية قابلة للاحتواء إلى حالة انهيار شامل، حيث تحولت الأزمة الاقتصادية إلى كارثة إنسانية–تنموية غير مسبوقة في تاريخه الحديث.

أولاً: انقلاب 2021 — انقلاب على مسار الإصلاح الاقتصادي

قبل الانقلاب، دخل السودان في برنامج اقتصادي مراقب من صندوق النقد الدولي (SMP) مكّنه من:

  • تحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف عبر التوحيد التدريجي للعملات؛
  • رفع السودان من قائمة الإرهاب الأمريكية؛
  • استيفاء شروط مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، ما كان سيمكّن البلاد من إعفاء يفوق 50 مليار دولار من ديونها الخارجية.

لكن انقلاب 2021 قلب المعادلة رأساً على عقب، فقد أعقبته مباشرةً:

  • تجميد البنك الدولي وصندوق النقد لكل التمويل والمنح؛
  • انسحاب الشركاء الدوليين وإيقاف برامج الدعم الفني؛
  • عودة حالة عدم اليقين السياسي التي أضعفت ثقة المستثمرين والأسواق.

وبحلول نهاية 2022 كانت المؤشرات قد تدهورت مجدداً:

  • التضخم عاد فوق 250%؛
  • الجنيه السوداني خسر أكثر من 70% من قيمته؛
  • عجز المالية العامة ازداد مع غياب التمويل الخارجي.

لقد أعاد الانقلاب السودان إلى مربع الأزمة، وأفقده اللحظة الاقتصادية النادرة التي كادت تنقله إلى مسار التعافي.

ثانياً: حرب 2023 — تدمير الاقتصاد وتحويل الأزمة إلى انهيار

جاءت الحرب في أبريل 2023 لتُجسّد أسوأ سيناريو ممكن: تدمير الدولة ذاتها كمؤسسة اقتصادية. فخلال الأشهر الأولى فقط للحرب:

1. انهيار مؤسسات الدولة

  • توقّف عمل البنك المركزي في الخرطوم بعد نهب مقره؛
  • تعطلت وزارة المالية والهيئات الإحصائية؛
  • فقدت الدولة قدرتها على التحصيل الضريبي والجمركي؛
  • توسّع الاقتصاد غير الرسمي والأسواق الموازية.

2. شلل الجهاز المصرفي

  • تجمّد النظام المصرفي تمامًا لأسابيع؛
  • انتقل السكان إلى “اقتصاد الكاش” ووسائل الدفع التقليدية؛
  • هربت رؤوس الأموال وازدهرت السوق السوداء للعملات.

3. فقدان العاصمة الاقتصادية

الخرطوم، مركز الإنتاج والخدمات والقطاع المالي، خرجت من معادلة الاقتصاد.
وهو حدث يمكن مقارنته — من حيث الأثر — بفقدان 40% من الناتج المحلي دفعة واحدة.

4. تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي

المناطق الريفية أصبحت ساحات صراع أو نزوح، ونتيجة لذلك:

  • انخفض إنتاج القمح والسمسم والقطن بأكثر من 50%؛
  • تعطلت الصناعات التحويلية؛
  • فقد ملايين المزارعين والعمّال أرزاقهم.

5. كارثة إنسانية ذات تكلفة اقتصادية

  • أكثر من 10 ملايين نازح؛
  • واحدة من أكبر أزمات الغذاء في العالم؛
  • انهيار الخدمات الأساسية (الصحة، التعليم، المياه).

إن هذه الحرب لم تدمّر الاقتصاد فحسب، بل أعادت السودان إلى مرحلة ما قبل الدولة الحديثة من حيث القدرة على التخطيط والإدارة والتنمية.

ثالثاً: كيف تنعكس الأزمة السياسية على الاقتصاد؟

يجسد مسار 2021–2023 قاعدة الاقتصاد السياسي في السودان: كلما انهارت الشرعية السياسية؛ انهارت معها المؤسسات الاقتصادية.

فالاقتصاد السوداني عبر تاريخه:

  • ينتعش مع البدايات المدنية؛
  • يتدهور مع عسكرة الدولة؛
  • ينهار في حالات انقسام الدولة بين مركزين للسلطة كما في 2023.

إن الاستثمار والتنمية والاندماج الدولي كلها تحتاج إلى مؤسسات مستقرة. وعندما تصبح الدولة نفسها طرفاً في الحرب، فإن كل آليات الإنتاج تتعطل، ويتحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد نجاة Day-to-Day Survival Economy.

رابعًا: نحو رؤية للخروج — ما بعد الحرب والانقلاب

لا يمكن للاقتصاد السوداني أن يبدأ التعافي إلا عبر خطوات سياسية أولاً، ثم اقتصادية:

1. وقف الحرب فوراً واستعادة مؤسسات الدولة

بدون ذلك، سيكون الحديث عن الإصلاح محض افتراض نظري.

2. العودة إلى مسار التعاون الدولي

خاصة مع صندوق النقد الدولي الذي طوّر في 2022 استراتيجية مرنة للدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، وهي فرصة تاريخية للسودان.

3. بناء عقد اقتصادي جديد

  • اقتصاد منتج لا ريعي؛
  • حوكمة شفافة؛
  • عدالة اجتماعية؛
  • دمج الاقتصاد العسكري داخل الاقتصاد الرسمي.

4. برنامج إعادة إعمار شامل

يحتاج السودان إلى خطة تمتد 10 سنوات لإعادة بناء:

  • الخرطوم والمدن المتضررة؛
  • مؤسسات المالية العامة؛
  • القطاع الزراعي والصناعي؛
  • النظام المصرفي.

خاتمة

إن الانتقال من انقلاب 2021 إلى حرب 2023 ليس مجرد تسلسل سياسي، بل مسار انهيار اقتصادي كامل. فقد تحول السودان من بلد بدأ أول خطوة نحو التعافي إلى بلد يعيش أسوأ كارثة اقتصادية في تاريخه. ومع ذلك، فإن موارد السودان البشرية والجغرافية والإقليمية لا تزال توفر أساساً لبناء اقتصاد جديد، إذا وُجدت الإرادة السياسية وأوقفت الحرب، واستُعيدت الدولة، وونُفِّذ عقد اجتماعي واقتصادي جديد.

melshibly@hotmail.com

Read more

قَرَاءَةٌ فِي اشْتِهَاءِ الإسْلَامِييْنِ إفْشَالَ الرُبَاعِيَّةِ

قَرَاءَةٌ فِي اشْتِهَاءِ الإسْلَامِييْنِ إفْشَالَ الرُبَاعِيَّةِ A Reading of the Islamists' Crave to Swart the Quartet بروفيسور مكي مدني الشبلي المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية في هذه اللحظات المفصلية من حرب

By Prof. Mekki Elshibly