نحو تفعيل مراكز الفكر لإحداث نقلة نوعية في العلاقات السودانية المصرية
نحو تفعيل مراكز الفكر لإحداث نقلة نوعية في العلاقات السودانية المصرية
خارطة طريق فكرية للحوار الاستراتيجي
البروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
ورقة دراسات (2) 2025
نوفمبر/ ديسمبر 2025
نحو تفعيل مراكز الفكر لإحداث نقلة نوعية في العلاقات السودانية المصرية
خارطة طريق فكرية للحوار الاستراتيجي
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
ملخص تنفيذي
تواجه العلاقات السودانية–المصرية اليوم منعطفاً استثنائياً، في ظل الحرب الدائرة في السودان وما أحدثته من تغيّرات عميقة على مستوى الأمن الإقليمي، والهجرة، والاستقرار الاقتصادي، والتوازنات السياسية في وادي النيل. ورغم الروابط الجغرافية والتاريخية العميقة بين البلدين، إلا أن مسار العلاقات ظل محكوماً بمجموعة من الحساسيات الانطباعية والعقبات الموضوعية التي لم تتم معالجتها بصورة مؤسسية منهجية، مما سمح لتصورات شعبية وسياسية غير دقيقة أن تتحول إلى عوائق حقيقية أمام بناء علاقة استراتيجية مستقرة.
توضح هذه الورقة أن مراكز الفكر السودانية والمصرية تمتلك القدرة على إحداث نقلة نوعية في العلاقات الثنائية عبر تبني مقاربة جديدة تقوم على:
- تفكيك جذور الحساسيات التاريخية المرتبطة بالحكم الثنائي للسودان،
- معالجة المخاوف السياسية المتبادلة بشأن التحول المدني والأمن القومي المصري،
- إعادة قراءة ملفي المياه والاقتصاد بمنظور تكاملي لا تنافسي،
- تقديم رؤية مشتركة لإدارة الحرب في السودان ومسارات السلام وإعادة الإعمار.
وتقترح الورقة خارطة طريق فكرية لبناء الثقة الاستراتيجية بين السودان ومصر، من خلال إنشاء منصة بحثية مشتركة، وإصدار تقارير سنوية عن العلاقات، وإطلاق حوارات نخبوية وشبابية، وتطوير سياسات تكاملية في المجالات الزراعية والمائية والاقتصادية.
وتؤكد النتائج أن الانتقال من حالة الشكوك والانطباعات المتبادلة إلى حالة الفهم الاستراتيجي المشترك لن يتحقق عبر المسار السياسي وحده، بل عبر دور أكثر فاعلية واستقلالية لمراكز الفكر في البلدين، بما يرسخ أسس علاقة تقوم على المصالح المشتركة والرؤية المتبادلة لمستقبل وادي النيل.
مقدمة
تُعد العلاقات السودانية–المصرية واحدة من أكثر العلاقات الإقليمية تعقيداً وعمقاً في آن واحد، إذ تجمع البلدين وشائج تاريخية وجغرافية وثقافية راسخة، بقدر ما تفصل بينهما طبقات متراكمة من الحساسيات التاريخية والسياسية والموردية التي تشكلت عبر عقود من التباين في الرؤى والمقاربات. وعلى الرغم من أن مسار العلاقات شهد محطات من التعاون الرسمي، إلا أن ثمة فجوة ظلت تتسع بين الإدراك الشعبي والرسمي في البلدين، مما جعل العلاقة تبدو أحياناً رهينة الانطباعات أكثر من الحقائق، والمخاوف أكثر من المصالح المشتركة.
ومع اندلاع الحرب في السودان، برزت الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في أسس العلاقة بين الخرطوم والقاهرة، ليس فقط على مستوى الحكومات والمؤسسات، بل على مستوى المعرفة والفهم والتحليل. فالحرب أعادت طرح الأسئلة المؤجلة حول الأمن الإقليمي، ودور مصر في استقرار السودان، وأثر الصراع على مستقبل وادي النيل. كما كشفت أن غياب المعالجة الفكرية الجادة لجذور الحساسية التاريخية والمخاوف السياسية والاقتصادية قد سمح لهذه التحديات بأن تستقر في وعي الشعبين كعوائق ثابتة، رغم إمكانية تجاوزها بمنهج علمي شفاف.
من هنا، تبرز مراكز الفكر السودانية والمصرية باعتبارها الجهات الأكثر قدرة على إحداث نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين. فهي مؤسسات تملك الأدوات التحليلية، والقدرة على إنتاج المعرفة، والوصول إلى النخب السياسية وصناع القرار. ويمكن لهذه المراكز، إذا ما تعاونت ضمن إطار مؤسسي مشترك، أن تبني قاعدة معرفية جديدة تعيد تعريف العلاقة على أساس الثقة الاستراتيجية، لا الإرث التاريخي أو المخاوف الظرفية.
تهدف هذه الورقة إلى تقديم خارطة طريق فكرية لبناء الثقة الاستراتيجية بين السودان ومصر، من خلال تحليل الحساسيات الانطباعية والعقبات الموضوعية، وتفكيك جذور التوترات التاريخية، واستشراف دور مراكز الفكر في دعم جهود وقف الحرب وإعادة الإعمار، وفتح آفاق جديدة للتكامل والتنمية في وادي النيل.
الحساسيات الانطباعية والعقبات الموضوعية في العلاقات السودانية–المصرية
تتسم العلاقات بين السودان ومصر بوجود طبقتين من العوائق: حساسيات انطباعية وعقبات موضوعية. فالحساسيات الانطباعية هي تلك التصورات المتراكمة في الوعي الشعبي عبر عقود، والتي قد لا تستند دائماً إلى وقائع دقيقة، لكنها تظل مؤثرة في تشكيل المواقف العامة. وتشمل هذه الانطباعات تصورات حول الحكم الثنائي، أو دور مصر في التحولات السياسية في السودان، أو نظرة السودانيين لسياسات مصر المائية. أما العقبات الموضوعية فهي التحديات الفعلية المرتبطة بالسياسة والتحولات الاقتصادية والأمن الإقليمي والمورد المائي، وهي قضايا قابلة للقياس والتحليل، ويمكن التعامل معها بروح عملية.
غير أن الإشكال الأعمق يتمثل في غياب الدور الفاعل لمراكز الفكر في البلدين لمعالجة هذه الحساسيات الانطباعية مبكرًا، وتقديم قراءات معرفية دقيقة تسهم في تصحيح التصورات المتبادلة. ومع مرور الزمن، وتراكم الأحداث دون تفسير علمي مشترك، تحولت هذه الحساسيات من مجرد “انطباعات” إلى عقبات تُعامَل وكأنها حقائق ثابتة، رغم أن كثيراً منها ليس قائماً على أسس موضوعية قوية. ونتيجة لذلك، طغت التفسيرات الظنية على التقييم العقلاني للعلاقة، ما أعاق إمكانية بناء مسار استراتيجي طويل الأمد بين البلدين، على الرغم مما يجمعهما من تاريخ مشترك ومصالح متشابكة ومستقبل واحد في حوض وادي النيل.
إن معالجة هذا الخلل المعرفي، عبر دور مؤسسي ومنهجي لمراكز الفكر، يمثل اليوم أحد أهم المفاتيح لرأب الصدع وبناء علاقة أكثر واقعية ومتانة بين السودان ومصر.
جدول (1): الفرق بين الحساسية الانطباعية والعقبات الموضوعية
جدول (2) جذور الحساسيات بين الشعبين (تاريخية – سياسية – اقتصادية)
المحور | الوصف المختصر | فرص المعالجة |
تاريخي | الوعي المرتبط بفترة الحكم الثنائي "الإنجليزي المصري" وما نتج عنه من تصورات غير دقيقة عن دور مصر، رغم أنها كانت خاضعة للاستعمار البريطاني. | دراسات مشتركة، إعادة صياغة الذاكرة بالتوثيق |
سياسي | الهواجس حول موقف مصر من التحول المدني الديمقراطي في السودان، واعتقاد بعض السودانيين بأن القاهرة تدعم قوى معينة حفاظًا على نموذج الحكم العسكري. | حوارات فكرية نخبوية، فهم متبادل للأمن القومي |
اقتصادي/ مائي | مخاوف تتعلق بالري والمياه وتطور الزراعة المروية في السودان، واعتقاد بأن عدم استثمار السودان لكامل حصته المائية يعود لضغوط أو مصالح مصرية. |
أولاً: خريطة الحساسيات في العلاقات المصرية–السودانية
1. الحساسيات التاريخية – الحاجة إلى إعادة كتابة الوعي المشترك
رغم انقضاء أكثر من قرن على فترة ما يُعرف بالحكم الثنائي ”الإنجليزي-المصري“، ما زال هذا الملف يشكل أحد أكثر مصادر الحساسية في الوعي السوداني الجمعي، ويختزن خطاب عام، لا يخلو من التبسيط، فكرة أن مصر كانت شريكاً أصيلاً في حكم السودان، وأن إرث تلك الفترة ترك أثراً على العلاقة اللاحقة. غير أن قراءة تاريخية دقيقة تظهر أن مصر نفسها كانت خاضعة للاحتلال البريطاني، وأن دورها في الحكم الثنائي كان أقرب إلى الصفة الرمزية منه إلى الدور التنفيذي، وأن الإدارة الفعلية كانت بريطانية خالصة بأجهزتها وحكامها العامين وموظفيها ونظمها.[1]
وهذا الالتباس التاريخي لم تتم معالجته بحثياً بصورة مشتركة بين البلدين، ما جعل سرديته الشعبية تستمر بلا مراجعة، وتغذي شعوراً سودانيًا بالتحفظ تجاه النوايا المصرية، وتخلق في المقابل مشاعر استغراب لدى المصريين من هذا التصور. ويمكن لمراكز الفكر أن تضطلع هنا بدور محوري من خلال:
- إعداد دراسات مشتركة لإعادة قراءة تلك المرحلة بعيداً عن الخطاب العاطفي أو السياسي.
- بناء ذاكرة تاريخية مشتركة عبر عمل مؤرّخين من البلدين على رواية واحدة تستند إلى الوثائق لا الانطباعات.
- تحويل الجهد البحثي إلى برامج مجتمعية تعالج إرث تلك المرحلة وتبدد سوء الفهم العالق.
فالحقيقة أن معالجة الإرث التاريخي ليست ترفاً فكرياً، بل خطوة سياسية واجتماعية ضرورية لتصحيح البيئة النفسية التي تقوم عليها العلاقة.
2. الحساسيات السياسية – بين المخاوف والتفسيرات المتبادلة
من أبرز التحديات السياسية التي شكلت توتراً في العلاقات الثنائية، تلك المتعلقة بموقف مصر من التحولات المدنية في السودان. فهناك اعتقاد واسع وسط قطاعات من السودانيين بأن القاهرة تتحفظ على صعود الحكم المدني والديمقراطي في السودان، خشية انعكاساته على مؤسسة الحكم في مصر. ويعزز هذا التصور قراءات معينة لدور مصر في دعم أنظمة أو مجموعات سودانية محددة، خصوصاً في فترات تاريخية اتسمت بالتداخل بين المدني والعسكري.
وفي المقابل، تشير تحليلات مصرية إلى أن القاهرة تنظر إلى السودان من زاوية ”أمن قومي ممتد“، وأن استقرار السودان، أيًّا كان شكله السياسي، هو أولوية، وأن هاجسها يتمثل في الخشية من انفلات أمني أو تفكك مؤسسات الدولة لا من التحول المدني[2].
وهنا يبرز دور مراكز الفكر السودانية والمصرية في تحويل سوء الفهم إلى مساحات مشتركة للحوار عبر:
- إجراء بحوث حول تصورات الأمن المتبادلة وتقييم مدى واقعية المخاوف السياسية.
- إطلاق حوارات منتظمة بين نخب البلدين لفهم مقاربات التحول المدني ودور الجيوش في المرحلة الانتقالية.
- بناء مقاربة إقليمية مشتركة للتحول السياسي في السودان تُطمئن الطرفين، وتوضح أن انتقال الحكم المدني لا يتعارض مع استقرار الجوار، ولا بتحقيق المصالح المشتركة المشروعة بين البلدين.
وبهذه الطريقة، يمكن تخفيف حدة الهواجس السياسية وتحويل الخلافات إلى تفاهمات عملية.
3. الحساسيات الاقتصادية والموردية – المياه والري والتكامل المفقود
يمثل ملف الموارد المائية وتطوير الزراعة المروية في السودان أحد أكثر الملفات حساسية بين الدولتين. ويرى كثير من السودانيين أن مصر، بحكم اعتمادها الحيوي على مياه النيل، تتحفظ على توسع السودان في استخدام كامل حصته المائية، خاصة في مشاريع الري الكبرى. ويترافق ذلك مع اعتقاد بأن السودان لا يستفيد من قرابة 5 مليارات متر مكعب من حصته المتاحة سنوياً، وأن ذلك يخدم مصلحة مصر بصورة غير مباشرة.[3]
وفي المقابل، ترى مصر نفسها ملتزمة بالاتفاقيات التاريخية للنهر، وتشير إلى أن استقرار السودان وتطويره الزراعي مصلحة مشتركة. إلا أن غياب المصارحة البحثية حول هذا الملف جعل الريبة تتوسع بمرور الزمن.
4. ملف حلايب وشلاتين والحدود
النزاع حول مثلث حلايب وشلاتين وأبورماد ظل ملفاً شديد الحساسية، يعود جذره إلى ترسيمين مختلفين للحدود (1899 و1902). مصر تفرض سيطرة فعلية على المنطقة وتعدّها جزءاً من أراضيها، بينما يعتبرها السودان أرضاً سودانية محتلة.[4]
وهذا الملف غالباً ما يتحول إلى ورقة ضغط سياسية متبادلة، ويُستدعى في لحظات التوتر، ما يخلق مناخاً دائم القابلية للاشتعال.
5. سد النهضة وتوازنات حوض النيل
أوجد سد النهضة الإثيوبي واقعاً جديداً في العلاقات السودانية المصرية، فالقاهرة تنظر إليه كخطر وجودي على أمنها المائي، والخرطوم ترى فيه مزيجاً من الفرص (تنظيم الفيضان، الكهرباء) والمخاطر (أمن السد، الإدارة، تقليص التدفقات في مراحل الملء). وفي لحظات معيّنة، اتُّهم كل طرف في البلدين بأنه ”يتقارب أو يبتعد“ عن إثيوبيا على حساب الآخر، مما غذّى الشكوك المتبادلة.
6. التفاوت الاقتصادي وحساسية ”الأخ الأكبر“
الاقتصاد المصري أكبر وأكثر تنوّعاً من الاقتصاد السوداني، وحجم الصادرات المصرية للسودان يفوق حجم الصادرات السودانية لمصر بفارق واضح على مر السنوات. وهذا خلق إحساساً في السودان بأن العلاقة الاقتصادية غير متوازنة، وأن السودان مصدر للمواد الخام وسوق لمنتجات مصرية أكثر منه شريكاً إنتاجياً.
وفي المقابل، هناك في مصر من ينظر إلى السودان باعتباره ”امتدادًا طبيعياً“ للعمق المصري، ما ينعكس أحياناً في خطاب وصائي (ولو بدون قصد) يثير حساسية وطنية سودانية مفرطة تجاه أي تعبير عن ”الأخ الأكبر“.
7. الأمن، اللاجئون، وتداعيات الحرب الحالية
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، استقبلت مصر مئات الآلاف من اللاجئين والنازحين السودانيين، مع ضغط كبير على الخدمات والبنية التحتية في الجنوب المصري[5] . وفي الخطاب الشعبي والإعلامي تظهر أحياناً لغة تمييز أو تبرّم من ”عبء اللاجئين“، بينما يشعر السودانيون بالمرارة حين يُعامَلون كـ“أزمة أمنية” بدل التعامل معهم كشركاء تاريخيين في وادي النيل.
8. الإعلام والوسائط الاجتماعية وصناعة الصور النمطية
شهدت الفترة الماضية تغطيات إعلامية سطحية في البلدين عززت أحياناً الصور السلبية المتبادلة. ففي بعض المنابر المصرية، يُختزل السودان في صورة ”الانقلابات والفوضى“. وفي بعض المنابر السودانية، تُختزل مصر في صورة دولة ”تتآمر على السودان وتعرقل نهضته“. وأدى غياب منصات تحليلية مشتركة جعل الخطاب الشعبوي والإثاري هو الصوت الأعلى في كثير من اللحظات الحرجة.
ثانياً: كيفية تجاوز هذه الحساسيات وبناء شراكة رابحة للطرفين (Win-Win)؟
1. الانتقال من منطق ”الاستغلال“ إلى منطق ”المصلحة المشتركة“
استبدال منظور الإزاحة (Zero-sum)، بإعادة صياغة الأجندة على أساس أسئلة بسيطة: كيف يمكن أن تستفيد مصر من نهضة زراعية وصناعية حقيقية في السودان؟ وكيف يمكن أن يستفيد السودان من الخبرة المؤسسية والمالية والبشرية المصرية في التعليم والصحة والبنية التحتية والطاقة؟ فمن هذا المنظور، يتحول الملف من ”من يربح على حساب من؟“ إلى ”كيف نربح معاً؟“
2. تسوية ذكية للملفات السيادية الحساسة
ملف حلايب وشلاتين يمكن التعامل معه على مدى بعيد عبر تثبيت مبدأ عدم التصعيد وعدم استخدامه كورقة ضغط إعلامية أو سياسية، والاتفاق على إدارة تنموية مشتركة للمنطقة (استثمار، خدمات، مشروعات بنية تحتية) مع إبقاء الخلاف القانوني مؤجلاً أو في مسار تفاوضي هادئ أو تحكيم دولي إذا اتُّفق عليه. المهم هو تحييد الملف عن التوترات اللحظية، وتحويله، قدر الإمكان، إلى ملف تعاون تنموي لا تفجير سياسي.
3. تحويل النيل من محور نزاع إلى منصة تكامل
الانتقال بملف النيل من معادلة تقاسم مياه لمنصة تكامل زراعي وصناعي بتطوير مناطق زراعية صناعية مشتركة، وسلاسل قيمة غذائية تمتد من السودان إلى السوق المصري ثم الإقليمي. وأيضاً كرافعة لمشروعات نقل نهري وسككي وكهربائي تخدم البلدين، في إطار مقاربة حوضية أوسع تشمل إثيوبيا ودول المنبع. وبهذا المعنى، يمكن تطوير مشروعات زراعية وصناعية في شمال السودان (حوض وادي حلفا/دنقلا) مرتبطة بشبكة سكك حديدية وموانئ مصرية على المتوسط، وبناء مناطق لوجستية مشتركة على البحر الأحمر.
4. شراكات اقتصادية متوازنة
تحويل العلاقة الاقتصادية بين البلدين من صورة السوق ”الأحادي الاتجاه“، يمكن تشجيع استثمارات مشتركة (Joint Ventures) بين القطاع الخاص في البلدين في مجالات الزراعة، وتصنيع الغذاء، والصناعات الدوائية، والخدمات اللوجستية والموانئ. وتصميم هذه الشركات الاقتصادية في أطر قانونية تعطي ضمانات متبادلة للمستثمرين من الجانبين، مع تفضيل واضح للمشروعات التي توظف عمالة سودانية ومصرية، وتزيد القيمة المضافة في السودان.
5. إدارة ملف اللاجئين والهجرة بروح تكاملية
التعامل مع وجود السودانيين في مصر ليس كمجرد ”عبء“ بل اعتباره رصيداً بشرياً واقتصادياً لو أُحسن تنظيمه (الاستفادة من الكفاءات السودانية في الطب والتعليم والبحث والريادة، مثلًا). وفي المقابل، يجب تعزيز آليات قانونية كريمة لوضع السودانيين في مصر (إقامة، عمل، تعليم، حماية من الاستغلال)، بما ينسجم مع عمق العلاقات والتكامل التاريخي بين الشعبين.
6. ضبط الخطاب الإعلامي وإشراك المجتمع المدني
إنشاء ميثاق إعلامي مهني بين نقابات الصحفيين في البلدين، يضع خطوطاً حمراء ضد خطاب الكراهية والتحريض المتبادل. وتنظيم زيارات متبادلة للإعلاميين والكتاب، وتشبيك مراكز الفكر والأبحاث والجامعات، حتى لا يبقى الحوار حبيس الاستقطاب السياسي أو الأمني.
ثالثاً: دور مراكز الفكر في بناء نموذج المصلحة المشتركة (Win–Win)
1. إنتاج معرفة مشتركة بدلاً من خطابات متقابلة
- استنباط مراكز فكر مهنية مستقلة غير مؤدلجة في السودان ومصر لتكون نواة للتعاون الفكري والبحثي بين البلدين.
- تُعِد هذه المراكز أوراق موقف مشتركة(Joint Policy Papers) حول الملفات الحساسة: التاريخ المشترك، والتكافؤ الاقتصادي، والمياه وسد النهضة، والتكامل الزراعي والغذائي، وإدارة الحدود والهجرة، والخطاب الإعلامي، وإعادة إعمار السودان بعد الحرب.
- تُقدّم هذه الأوراق إلى الحكومتين كـمسارات تفكير بديلة عن مقاربات الأمن فقط.
2. الدبلوماسية (الفكرية) الثانية (Track II Diplomacy)
يمكن لمراكز الفكر القيام بدور ”الجسر“ بين الحكومتين والمجتمعين من خلال:
- تنظيم حوارات غير رسمية مغلقة بين خبراء من البلدين (اقتصاديين، قانونيين، دبلوماسيين سابقين، عسكريين متقاعدين)، للبحث عن حلول عملية لملفات مثل حلايب أو المياه، بعيداً عن ضغط الإعلام.
- استضافة لقاءات تشاورية تضم ممثلين من المجتمع المدني ورجال الأعمال والجامعات، لصياغة أجندة تعاون اقتصادية وثقافية.
3. تصميم مبادرات تكاملية عملية
مراكز الفكر ليست منصّات تحليل فقط، بل يمكن أن تقدّم مقترحات مشاريع جاهزة، مثل:
- مشروع ”غذاء النيل“ بتشييد مناطق زراعية نموذجية في السودان ومصر مرتبطة بمصانع تعبئة وتصنيع غذائي في السودان ومصر، بحيث يمكن توجيهها للأسواق العربية والإفريقية.
- مشروع ”تكامل مراكز الفكر“ باستنباط برامج بحثية مشتركة، وتبادل الباحثين، وإجراء أبحاث مشتركة في المياه والزراعة والسياسات العامة.
- مبادرات تدريب شباب الباحثين والصحفيين من البلدين على التحليل المتقاطع لقضايا وادي النيل، بدل الاكتفاء بالروايات الشعوبية المغلقة.
4. إعادة صياغة السردية: من ”حساسية“ إلى ”فرصة تاريخية“
يمثل استنباط سردية جديدة للعلاقات المصرية–السودانية جانباً مهماً من عمل مراكز الفكر في البلدين بحيث يتم التركيز على:
- أن أمن مصر المائي لا ينفصل عن استقرار السودان،
- أن نهضة السودان الاقتصادية مصلحة استراتيجية لمصر،
- وأن التكامل بين بلد يملك عمقاً سكانياً وخبرة مؤسسية (مصر)، وبلد يملك موارد زراعية وأراضي شاسعة وعمقاً إفريقيَّاً (السودان)، يمكن أن يصنع نموذجاً إقليمياً فريداً إذا توافرت الإرادة السياسية والإسناد المعرفي الجاد.
جدول (3): أدوار مراكز الفكر في السلام وإعادة الإعمار
الدور | تفاصيل |
تحليل جذور الصراع | تقييم الأطراف، الديناميات الإقليمية، السيناريوهات المحتملة |
معالجة الحساسيات التاريخية | تفكيك الروايات المتضاربة وإعادة بناء الوعي المشترك |
رؤية مشتركة للسلام | إعداد سياسات لوقف الحرب والانتقال السياسي السوداني |
سياسات إعادة الإعمار | وضع نماذج للتعاون الاقتصادي والبنية التحتية |
تعزيز الحوار المجتمعي | التواصل مع الجامعات والشباب والإعلام |
جدول (4): محاور العمل المشتركة بين مراكز الفكر
محور العمل | التفاصيل الرئيسية |
الحرب وتداعياتها | تحليل الصراع ومسارات السلام وتأثيراته على أمن البلدين والحدود والنزوح. |
السياسي والاستراتيجي | دراسة الأمن الإقليمي، البحر الأحمر، التحديات العابرة للحدود، والهجرة. |
الاقتصادي والتنموي | تعزيز فرص التكامل الزراعي، النقل، والتصنيع، وتطوير سلاسل الإمداد. |
الثقافي والمعرفي | دعم التبادلات البحثية، تفعيل دور الجامعات، وتعزيز الروابط الثقافية. |
إعادة قراءة التاريخ | تصحيح التصورات التاريخية، تحليل الحكم الثنائي، وتفكيك الذاكرة المشوهة بين الشعبين. |
رابعاً: الحرب في السودان – اختبار حقيقي لدور مراكز الفكر
تشكّل الحرب الدائرة في السودان منذ 2023 نقطة تحول جذرية في مسار العلاقات السودانية–المصرية، ليس فقط لأنها تزايد من حدة التحديات الأمنية والإنسانية في البلدين، بل لأنها تفتح الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية في السودان لسنوات قادمة. وهنا تبرز أهمية مراكز الفكر، لأنها القادرة على تقديم رؤية أعمق وأطول مدىً من تلك التي تنتجها الأجهزة الحكومية. ويمكن لهذه المراكز في البلدين أن تلعب أدواراً مؤثرة فيما يلي:
1. تحليل جذور الحرب وتقديم قراءات مشتركة للصراع
بما في ذلك الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، والمسارات المحتملة لتطور النزاع.
2. صياغة مقترحات عملية لمسار السلام
من خلال أوراق سياسات مشتركة حول:
- وقف إطلاق النار،
- حماية المدنيين والعون الإنساني،
- دعم المسار السياسي والانتقال المدني الديمقراطي،
- إعادة بناء المؤسسات المدنية السودانية.
3. تقديم تصور مشترك لإعادة الإعمار
سيحتاج السودان في مرحلة ما بعد الحرب إلى مشاريع كبرى في:
- البنية التحتية،
- الزراعة،
- الخدمات الأساسية،
- إعادة دمج النازحين،
- إصلاح القطاع العام.
وهنا يمكن لمراكز الفكر أن تساهم في وضع رؤية مشتركة لإطار ”إعادة إعمار سوداني–مصري“ مبني على تكامل المصالح لا التنافس.
خامساً: نحو شراكة فكرية سودانية–مصرية جديدة
يتضح من التحليل أعلاه أن العلاقة بين السودان ومصر تحتاج إلى نقلة نوعية في التفكير (Paradigm Shift)، تتجاوز البعد الرسمي التقليدي إلى تأسيس شراكة فكرية مؤسسية.
هذه الشراكة يمكن أن تشمل، فيما تشمل:
- منصة بحثية مشتركة تضم مراكز فكر من البلدين.
- مجموعات عمل متخصصة في التاريخ، والاقتصاد، والأمن، والمياه.
- برنامج سنوي للحوار الاستراتيجي يشمل الباحثين والأكاديميين والشباب وصناع القرار.
- إنتاج مستمر من التقارير والأوراق والسياسات المشتركة.
- مبادرات للسلام والتماسك الاجتماعي بين الشعبين.
وبدون هذا الإطار المؤسسي، ستظل العلاقة محكومة بهواجس الماضي ومخاوف الحاضر، ولن تتمكن من الوصول إلى شراكة استراتيجية كاملة.
خاتمة
العلاقات المصرية–السودانية مثقلة بحساسيات تاريخية وسياسية واقتصادية حقيقية، لكنّها في الوقت ذاته تحمل إمكانات استثنائية للتكامل لا تتوافر في كثير من الأقاليم الأخرى: نهر واحد، وتاريخ متداخل، وعمق اجتماعي وثقافي مشترك، وتحديات أمنية واقتصادية متشابهة.
وتفيد التجربة السابقة أن تجاوز هذه الحساسيات لا يتم عبر المجاملات أو الشعارات، بل عبر:
- اعتراف شجاع بالمشكلات،
- تصميم مسار تفاوضي وتكاملي واضح،
- منح دور أكبر لمراكز الفكر كي تفتح نوافذ جديدة للتفكير خارج منطق إدارة الأزمات اليومية.
مراكز الفكر السودانية والمصرية تقف اليوم أمام فرصة تاريخية للمساهمة في إعادة صياغة علاقة البلدين على أسس جديدة. فمعالجة الجذور التاريخية والسياسية والاقتصادية للتوترات ليست مجرد جهد معرفي، بل هي خطوة حاسمة لتأسيس مستقبل آمن ومستقر لوادي النيل. وفي ظل الحرب التي تعصف بالسودان، يصبح دور هذه المراكز أكثر أهمية من أي وقت مضى، سواء في صياغة مسارات السلام أو في وضع أسس إعادة الإعمار.
إن المبادرات المشتركة، إذا ما صُممت بجرأة فكرية وعمق علمي، يمكن أن تُحدث اختراقاً حقيقياً، وأن تمهد لمرحلة جديدة تقوم على فهم مشترك، وثقة متبادلة، وتكامل في المصالح، يتجاوز إرث الماضي ويستجيب لتحديات المستقبل.
المراجع
كتب ودراسات
- Collins, Robert. A History of Modern Sudan. Cambridge University Press.
- Daly, M.W. Empire on the Nile: The Anglo-Egyptian Sudan. Cambridge University Press.
- Waterbury, John. Hydropolitics of the Nile Basin. Yale University Press.
تقارير دولية
- البنك الدولي، تقرير التنمية الزراعية في السودان (2021).
- الأمم المتحدة، تقرير وضع النزوح في السودان (2023).
مراجع عربية
- مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، سلسلة تقارير السودان (2018–2023).
- معهد البحوث والدراسات الأفريقية – جامعة القاهرة: دراسات وادي النيل.
- مركز دراسات السلام والتنمية – جامعة جوبا.
- مؤسسة عافر للتنمية والحوار والتدريب والأبحاث، دور مراكز التفكير في إعادة هندسة العلاقات المصرية- السودانية: نحو مقاربة متوازنة، نوفمبر 2025.
حول مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية (CCSS)
مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية (CCSS) هو مركز أبحاث مستقل، غير ربحي، وغير حزبي، يتخذ من لندن والخرطوم مقراً له، ويُعنى بتطوير البحوث الاستراتيجية، وابتكار السياسات، وإنتاج المعرفة في السودان. ويُعدّ المركز منصةً للالتقاء ومحركاً فكرياً لبناء السلام الشامل، والتحول المدني الديمقراطي، وإعادة الإعمار العادل في السودان. كما يُشجع المركز على وضع سياسات قائمة على المعرفة، واتباع مناهج شاملة للتنمية المستدامة في المنطقتين العربية والأفريقية.
نبذة عن المؤلف: البروفيسور مكي مدني الشبلي
المؤهلات العلمية:
• ماجستير في الإدارة العامة، كلية كينيدي بجامعة هارفارد، الولايات المتحدة الأمريكية، 1983.
• شهادة برنامج الضرائب الدولية، كلية الحقوق بجامعة هارفارد، الولايات المتحدة الأمريكية، 1983.
• دكتوراه في الاقتصاد، جامعة كينت، إنجلترا، 1980.
• ماجستير في الاقتصاد، جامعة مانشستر، إنجلترا، 1977.
• بكالوريوس (مع مرتبة الشرف الأولى) في الاقتصاد، جامعة الخرطوم، 1974.
الخبرات المهنية:
• المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية (CCSS).
• المدير التنفيذي لمركز مأمون بحيري للدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا (MBC).
• مدير جامعة أم درمان الأهلية (OAH).
• وكيل جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا (UMST).
• العميد المؤسس لكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية (UMST).
• مدير مؤسس معهد السودان للتنمية (UMST).
• محاضر في الاقتصاد، جامعة الخرطوم.
• نائب مدير مركز دراسات وبحوث التنمية، جامعة الخرطوم.
• نائب رئيس مجلس إدارة بنك البركة، السودان.
• نائب رئيس مجلس إدارة منظمة العمل الإنساني من أجل السودان (HAS).
شغل مناصب قيادية في:
• المنظمة العربية للتنمية الزراعية (AOAD).
• الهيئة العربية للاستثمار والتنمية الزراعية (AAAID).
• المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا (BADEA).
استشارت:
• قدم العديد من الاستشارات مع منظمات إقليمية ودولية، بما في ذلك البنك الدولي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD)، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، والبنك الأفريقي للتنمية، ووزارة التنمية الدولية البريطانية (DFID)، ووزارة الخارجية والتنمية الدولية (FCDO)، والمجلس الثقافي البريطاني، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF).
مؤلفات:
• ألف العديد من الكتب والمقالات في الاقتصاد والتعليم.
- للمزيد حول طبيعة الحكم الثنائي، انظر الوثائق البريطانية الصادرة بين 1899–1956 ↑
- تُظهر دراسات مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (القاهرة) أن مصر تربط استقرار السودان بأمنها القومي المباشر. ↑
- تقرير البنك الدولي (2021) يشير إلى أن السودان يستخدم أقل من 60% من طاقته الزراعية الممكنة. ↑
- Sherif Mohyeldeen, The Egypt-Sudan Border: A Story of Unfulfilled Promise. Carnegie Middle East Center, 2020. ↑
- AP News, Sudanese fleeing war are at risk of worsening hunger in neighboring nations, UN warns, July 2025. ↑