هل يقود إدمان الهيمنة الإسلاميين للانتحار؟

هل يقود إدمان الهيمنة الإسلاميين للانتحار؟

Will Hegemony Addiction Leads Islamists to Suicide?

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

منذ صدور بيان الرباعية الدولية الرافض لأي دور للقوى الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق في المرحلة الانتقالية القادمة، عاد الجدل بقوة حول موقع الإسلاميين في المشهد السوداني: هل لا يزال لهم وزن سياسي؟ هل يملكون قدرة على العودة ولو بالانقلاب العسكري أو الحرب الشاملة؟ أم أن لحظة خروجهم من المشهد السياسي التي ثار وضحى من أجلها الشعب قد أزفت؟

من المهم التأكيد ابتداءً على أن استبعاد الإسلاميين من معادلة الانتقال لم يكن ابتكاراً للرباعية، بل كان، في جوهره، قراراً شعبياً حاسماً عبر ثورة ديسمبر الشعبية التي أنهت ثلاثة عقود من حكم قهري مثّل واحداً من أكثر التجارب عنفاً وانقساماً في تاريخ السودان الحديث.

1. أوهام الإسلاميين

يعيش الإسلاميون اليوم في دائرة من الأوهام، تتلخص في ثلاثة مستويات:

  1. وهم منشأ الإقصاء: يتصورون أن الرباعية هي التي أقصتهم، ناكرين أن الإقصاء الحقيقي جاء من الشارع السوداني الذي خرج بالملايين ليطالب بإسقاط نظامهم الفاسد. الرباعية لم تفعل أكثر من تثبيت هذا الواقع الذي فرضه الشعب قبل ست سنوات في لغة السياسة الدولية.
  2. وهم الشرعية الشعبية: يعتقدون أن تورمهم بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 ثم اندلاع حرب أبريل 2023 كان انعكاساً لسند شعبي، بينما الحقيقة أنه كان حصيلة لتقاطعات عسكرية وأمنية مؤقتة، وللتحالف مع بعض مراكز القوة المسلحة، وليس تفويضاً من الجماهير.
  3. وهم الكفاءة السياسية: يتوهمون أن الفرصة التي حصلوا عليها بعد انقلاب أكتوبر نابعة من قوة تنظيمية وفكرية داخلية، بينما الواقع أن هذه المساحة أُهْدِيَت لهم جوهرياً من أخطاء القوى المدنية، ومن انقساماتها بسبب السلطة وعجزها عن إدارة الفترة الانتقالية.

هذه الأوهام الثلاثة تجعل الحركة الإسلامية أسيرة لخيالات لا تعكس حقيقتها على الأرض، بل تكشف انفصالها عن المجتمع السوداني الذي لم يعد يرى في الحركة سوى امتداد لحقبة مظلمة تتدثر خلف شعارات مفضوحة.

2. ثورة ديسمبر أم الرباعية: من الذي أقصى الإسلاميين؟

من المهم التوقف عند السؤال الجوهري: من الذي أقصى الإسلاميين فعلاً؟ هل هم القوى الخارجية المتمثلة في الرباعية، أم أن الإقصاء كان قراراً شعبياً خالصاً؟

الحقيقة أن ثورة ديسمبر 2018 رفعت منذ أيامها الأولى شعارات واضحة وصريحة ضد فساد الإسلاميين، وضد منظومة التمكين التي حكمت السودان بالقهر والفساد ثلاثة عقود. فالشوارع امتلأت بالهتاف من أجل إبعادهم عن المشهد السياسي ومحاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب السوداني. وقد امتثلوا حينها لحكم الشعب صاغرين، بعد أن أسقطت الجماهير سلطتهم. لكن الأخطاء التي وقعت فيها قوى الحرية والتغيير خلال إدارة الفترة الانتقالية فتحت ثغرات سمحت للإسلاميين بالعودة من النافذة عبر انقلاب أكتوبر 2021، مستفيدين من ضعف القيادة المدنية وانقسامها. ومع ذلك، فإن الموقف الحاسم منهم في بيان الرباعية لم يكن إلا صدى لصوت الشعب، وامتداداً لذلك الحكم الشعبي التاريخي الذي عبّرت عنه ثورة ديسمبر في كل أنحاء السودان.

وعليه، فإن ادعاء الإسلاميين أن إقصاءهم جاء من قوى خارجية ليس سوى وهم آخر، لا ينطلي على شعب خبر حقيقتهم، وتحمّل نتائج فسادهم وقمعهم لعقود طويلة.

3. الإسلاميون من مأزق الشرعية إلى وغى الوجود

إن مرور الإسلاميين من حالة الهيمنة إلى مأزق الشرعية لم يكن حادثاً عابراً بل مساراً درامياً يظهر مدى عمق الأزمة التي يعيشونها. فبعد أن فقدوا الشرعية الشعبية جراء ثورة ديسمبر، سعوا لاستعادتها بباب خلفي عبر انقلاب أكتوبر 2021. وهذا الانقلاب خَلَقَ لهم نافذة زمنية على حساب هشاشة القيادة المدنية وأخطائها، لكنه لم يُنتِج تفويضاً شعبياً حقيقياً. وعندما تبين لهم أن الانقلاب وحده لا يكفي لإضفاء شرعية مقبولة، لجأ بعضهم إلى خيار أخطر: إشعال المواجهة المسلحة وجر البلاد نحو حرب أبريل 2023، ومحاولة استثمار الفوضى لإعادة تشكيل النفوذ السياسي.

هذه المغامرة لم تكن بلا ثمن؛ فقد أدت الحرب إلى معاناة عميقة للسودانيين ودفعت بموجات من الاستنكار والضغط المحلي والدولي لوقف مسلسل العنف وعزل مشعليه. ومع اشتداد العزلة، لجأ قادة من التيار الإسلامي إلى لغة التهديد بالمواجهة المسلحة ضد كل من يقف في طريقهم، كخيار أخير للخروج من مأزقهم. لكن هذا التهديد ليس تصعيداً تكتيكياً فحسب؛ بل يشكل انتقالاً إلى «محنة وجودية» حقيقية: مواجهة شعبية واسعة ومقاطعة دولية قد تضعهم أمام معركة لا قِبَل لهم بها، ليس فقط عسكرياً بل سياسياً ومعنوياً.

ببساطة، الخيارات الضيقة المتبقية أمام الإسلاميين تقرع جرس المصير: إما الانتحار العسكري والسياسي عبر الاستمرار في طريق العنف، أو الندم على ما مضى واعادة بناء علاقة جديدة مع الشعب، وهو ما يتطلب شجاعة الاعتراف ومواجهة المساءلة. أي خيار آخر يعني الذهاب إلى حافة «النحر أو الانتحار» التي لا مخرج منها سوى من خلال التراجع الجذري عن سياسات الماضي.

4. السيناريوهات المستقبلية

إذا نظرنا إلى المستقبل، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لإسلاميي السودان مرهونة بالخيارات المتاحة لهم:

  1. الامتثال لإرادة ثورة ديسمبر: أي القبول بالابتعاد عن الفترة الانتقالية، وانتظار الانتخابات المقبلة. فإذا امتثل الإسلاميون للانتقال المدني، وأداروا برنامجاً انتخابياً يتضمن اعتذاراً صريحاً وتعهدات واضحة بعدم تكرار تجربة القمع والتمكين، فإنهم قد يحتفظون بفرصة للعودة عبر الديمقراطية. لكن ذلك مشروط بقبول الشعب لمثل هذا العرض، وهو أمر صعب في ظل الذاكرة الجمعية المثقلة بجرائم النظام السابق.
  2. القيام بثورة شعبية مضادة: وفشلها هو السيناريو الأرجح إذا حاولوا جر الشارع إلى انتفاضة مضادة لثورة ديسمبر. وعندها سيظهر حجمهم الحقيقي بلا غطاء السلاح، وستتأكد عزلتهم داخلياً وإقليمياً، ما قد يؤدي إلى تفاقم تفكك تنظيمهم وزيادة تشرذمه بين أجنحة متصارعة على النفوذ والثروة.
  3. المواجهة المسلحة: إذا اختاروا إعادة إنتاج العنف عبر الفصائل الإرهابية المسلحة أو محاولة اختراق المؤسسة العسكرية، فإنهم يضعون أنفسهم بين خياري "النحر أو الانتحار". فالمؤسسة العسكرية بعد شروعها في إعادة هيكلة الجيش، لن تسمح بمنافس مسلح داخل حدود الدولة، والشعب الذي خبر القمع طويلاً لن يقبل بعودة الإرهاب السياسي مرة أخرى عبر دعم سريع آخر. ومن جانب آخر فإن المسار العسكري لا يضع الإسلاميين فقط في مواجهة الشعب السوداني، بل يضعهم تحت مقصلة المجتمع الدولي والإقليمي الذي لن يتسامح مع عودة تجربة حكم مسلح باسم الدين.

5. خاتمة

في نهاية المطاف، يقف الإسلاميون أمام مفترق طرق حقيقي. إما أن يختاروا التصالح مع ثورة الشعب بالتوبة والندم على ما مضى والإذعان لمطلبه بالمدنية الديمقراطية، والاعتراف بالأخطاء الجسيمة. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيماً (17)النساء. وإما أن يصرّوا على الأوهام والخيارات الانتحارية التي ستقودهم إلى عزلة أبدية، وربما إلى اندثار كامل.

لقد انتهى زمن الحكم القهري باسم الدين، والسودان اليوم يتجه، رغم الحرب والمحن، نحو وعي جديد يضع الحرية والعدالة والسلام في قلب المعادلة. من لا يقرأ هذه اللحظة بعمق، سيُقصَى من المستقبل كما أُقصِي من الحاضر.

melshibly@hotmail.com

Read more

قَرَاءَةٌ فِي اشْتِهَاءِ الإسْلَامِييْنِ إفْشَالَ الرُبَاعِيَّةِ

قَرَاءَةٌ فِي اشْتِهَاءِ الإسْلَامِييْنِ إفْشَالَ الرُبَاعِيَّةِ A Reading of the Islamists' Crave to Swart the Quartet بروفيسور مكي مدني الشبلي المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية في هذه اللحظات المفصلية من حرب

By Prof. Mekki Elshibly